محمد أبو زهرة

1862

زهرة التفاسير

ولا نرى أن هذا النوع من الشرك داخل في موضوع الشرك الذي ينفى عنه الغفران ؛ لأن هذا النوع يقتل ما في العبادة من خير ، وقد يكون للمرائي خير آخر ، كالبر بأسرته . والعطف على الجيران . والتعاون الاجتماعي الخالص . وقد بين سبحانه صورا من ضلال المشركين ، وهي : ( 1 ) عبادة من لا يتصور عبادته عاقل مدرك . إدراكا خاليا من التأثر بالباطل . ( 2 ) ومنها خضوعهم المطلق للشيطان . ( 3 ) ومنها توهم التقرب بما لا يتصور عقلا أنه مقرب ، كتقطيع آذان الإبل والبقر والغنم وتغيير خلق الله تعالى فيها ، ولذلك قال تعالى : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً « إن » هنا هي النافية ، والدعاء هنا العبادة ، والالتجاء لإنقاذه من الهلاك أو المرض أو الكوارث بشكل عام . والمعنى : لا يتجهون في عبادتهم وضراعتهم بعد الله سبحانه ذي الجلال والإكرام إلا إلى إناث قد استبدلوهن بعبادة الله . فهم قد تركوا عبادة القوى القادر القاهر الذي هو فوق كل شئ ، إلى عبادة العاجز الذي لا يستطيع حماية نفسه ورفع الضر عنه ! فالعبارة تفيد بمرماها أنهم تركوا عبادة من يحميهم ويكلؤهم إلى من لا يستطيع حماية نفسه . ولكن لما ذا عبر عن الأوثان التي كانوا يعبدونها بالإناث ؟ قد ذكر العلماء لذلك ثلاثة تعليلات مختلفة : أولها - أن العرب كانت عندهم أوثان تتسمى بأسماء إناث ، كاللات والعزى ومناة ؛ وعن الحسن البصري ، أنه لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يسمونه : أنثى بنى فلان ، وثانيها - أنهم كانوا يقولون عن أصنامهم : بنات الله ، تعالى الله عما يقولون . وثالثها - ما قرره الأصفهاني من أن المراد جماداتهم التي كانوا يعبدونها ، فقال : « لما كانت معبوداتهم من جملة الجمادات التي هي منفعلة ، لا فاعلة ، سماها الله تعالى